السيد عباس علي الموسوي

364

شرح نهج البلاغة

الأول : قوله عليه السلام : وإياك والاتكال على المنى فإنها بضائع النوكي . الأماني بدون العمل سندات بدون رصيد أو عملة مزيفة لا سوق لها ، وصاحب الأماني إنسان يعيش حالما في السعادة والمال حالما في المجد والشهرة ، حالما في اللذة والنعيم . إنه يحلق باستمرار في عالم مملوء بالأوهام ، إنه في حلم لذيذ لا يحب أن يزعج أو يستيقظ منه خوفا على انقطاع لذته وفقدان حلمه . تراه يسرح وراء الدنيا بما فيها من مال ولذة دون أن يعمل من أجل ذلك ولو شيئا يسيرا . فهو يعشق أن يصبح أمبراطورا في المال ولكنه لن يحرك ساكنا ولن يتعب فكره ولا بدنه ولن يسعى في سبيل ذلك من قريب أو بعيد . وإنه يريد أن يصبح نجما لا معا يبرز في عالم الدنيا ولكنه لن يتحرك من كوخه أو يمشي في تحقيق ذلك ولو خطوة واحدة . إنها أماني تعيش بين ضلوع المساكين دون أن ترى النور أو يكتب لها الظهور إلى عالم الحياة والأحياء . وليس الأمر منحصرا بأبناء الدنيا ، بل هناك من الناس المؤمنين الذين يطلبون الآخرة ويعيشون فردوسها الأعلى ويسبحون في نعيمها وسؤددها ويغوصون في بحارها وخيراتها ، حتى هؤلاء بالذات منهم أناس يعيشون الأماني ولا يسعون في سبيلها أو يعملون من أجلها . إنهم يتقاعسون عن الجهاد والنضال ومد يد المعونة إلى الفقراء والأيتام . إنهم يريدون جنة اللّه ويحلمون بها ويتصورون أنفسهم في أجوائها يحلقون ويسبحون في نعيمها دون عمل ولا جهاد . إنهم يظنون أن باستطاعتهم خديعة اللّه عن جنته بهذه الأمنيات الفارغة والآمال الحالمة . . . لا . . . إن اللّه جعل للجنة ثمنا وثمنها التضحية بالنفس أولا وبما تملك اليد ثانيا ، البذل الفعلي والسعي في سبيل اللّه ، وبدون أن تتحرك الطلائع المؤمنة وتثبت بعملها وسلوكها أنها أهل للجنة فلن تنالها ولن تحظى برؤيتها إلا لزيادة همها وأساها . وإن بعض المؤمنين كما نرى ونسمع يحبون للإسلام أن يحكم ويحبون أن تكون أحكامه وقوانينه هي التي تحكم الناس وتفصل في قضاياهم . إنه يقرءون في صلواتهم دعاء : اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله . . . ولا يعملون من أجل بناء هذه الدولة ولا في سبيل تحقيق هذه الرغبة أدنى حركة ولا أقل خطوة . إنهم يريدون دولة من المهدي المنتظر صلوات اللّه عليه وعلى آلة ينتظرون خروجه حتى يحققها لهم . إنهم يقبعون في بيوتهم ويحلمون في دولتهم التي لا تتحق بالرغبة والأمنية . . . لو كانت الدول تبنى بالرغبة والأمنية لكان المسحوقون والضعفاء من أعز الناس دولا . . . ولكن للأسف لا يتحقق ولن يتحقق شيء من ذلك . الدنيا مملوءة بالذئاب وهي في عراك مستمر من أجل الحصول على أكبر قدر منها . الدنيا